محمد بن زكريا الرازي
23
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
وليس لأن لا يدرى من أي خلط تكون ما يبطل أن توجد هذه " . فالجهل بأمر من الأمور ليس سببا لارتفاع ذلك الشئ من العالم ، ولا يصح المبادرة إلى إنكار ما ليس على بطلانه برهان " . وإنّ عدم فهمنا لعلّة الخواص لا يمنع أن تكون صحيحة " « 1 » . على أنه يلزم التنويه هنا إلى أن الرازي يؤكد وجوب أن يستند الحكم إلى عدد كاف من الشواهد التجريبية ، وهو في شكوكه على جالينوس يبيّن أن " أضعف أنواع الاستقراء هو الذي يكون بتحقيق مثال واحد فقط أو مثالين أو ثلاثة " « 2 » ؛ إذ الأساس في قبول الحكم هو تكرار الحدوث الذي لا يتخلّف . أمثلة من انتقادات الرازي لجالينوس : يأخذ الرازي على جالينوس فساد مسلماته واضطراب براهينه ، ويختلف معه في كثير من القضايا الفلسفية التي انتهى إليها وخصوصا في كتابه " البرهان " ، و " ما يعتقده جالينوس رأيا " ، وأيضا في كتابه " الصناعة الصغيرة " . ويرى الرازي أن جالينوس انطلق من مقدمات ظنّية ومن " أوائل " ليست في حقيقتها كذلك ؛ أي أنه " أخذ أوائل ليست بأوائل وتوالى لا تلزم ( عن ) المقدّم ضرورة " « 3 » . كما يأخذ الرازي عليه عدم تنبهه إلى أن اضطراد الحدوث في ظواهر الكون مسلّمة لا يقوم عليها دليل عقلي أو تجريبى . والرازي ، وهو يتابع هنا جابر بن حيان « 4 » ، ينتهى في ردّه على جالينوس - في مسألة قدم العالم وحدوثه - إلى أن العلم بقدم العالم ليس من الأمور المعلومة
--> ( 1 ) الرازي : " كتاب خواص الأشياء " ، ص 119 - 120 ( مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 141 ) . وقارن ما يذهب إليه " جابر بن حيان " ، في هذا المعنى ، في كتابه " التصريف " ص 421 - 422 ، ( ضمن مختار رسائل جابر بن حيان ) . ( 2 ) الرازي : " كتاب الشكوك " ص 8 . ( 3 ) الرازي : " الشكوك " ، ص 3 . ( 4 ) جابر بن حيان : " كتاب التصريف " ، ص 419 - 423 ، ضمن ( مختار رسائل جابر ) .